في ذكرى الرئيس بشير الجميّل: لنعتمدْ مبدأ الحلول المتناقضة

كتب الاستاذ أنطوان نجم:

أحداث الربع الأخير من القرن العشرين في لبنان جديرة بأن تشكّل مادة تأمل منهجيّ عميق مبنيّ على وقائع صحيحة ومعطيات مؤكّدة، يسبر أغوار قضايا اللبنانيّين في أبعادها.

قلتُ وأردّد القول: “إنّنا جزء أصيل وعضويّ في هذا الشرق. فلا نتصرّفنّ، بوحي من تمايزنا الدينيّ، وكأنّنا في جزيرة معزولة غير معنيّين بجوارنا وبما يجري فيه. أو كأنّ حدود لبنان سياجات عالية يعجز الغزاة عن تسلّقها. أوهام من هذا النوع غالية الثمن. إنّنا جزء من هذا العالم المشرقيّ. التوافق معه ضرورة مصيريّة. وصداقته وتعاونه والتعاضد معه ركيزة في الاستقرار.”[i] والبراهين كثيرة. وأقلّها ما جرى منذ نشوء دولة إسرائيل حتى الحرب على العراق وفيها، اليوم، مرورًا بالانقلابات العسكريّة في سوريا ومصر والعراق وليبيا، وأحداث 1958، والصراع مع المسلّحين الفلسطينيّين واتفاق القاهرة في العام 1969، ونتائج أيلول الأسود في الأردن في العام 1970، وانفجار 1975، ودخول الجيش السوريّ رسميًا وعلنًا في العام 1976، واتفاق الطائف في العام 1989 وحروب الخليج ونتائجها… وكذلك ما انعكس علينا من جرّاء ما ابتُليَ به هذا الشرق من غيابٍ لإستراتيجيا العقل، وسيطرةِ جَرَيان الخطابات الجوفاء، وانجرافٍ بسهولة وراء الديماغوجيّة والتعصّب على أنواعه، وقبولٍ بالطغيان والاستبداد والخضوع لهما كقضاء وقدر، ومفرداتِ التخوين والتكفير والنبذ والشتم، وتبسيطِ الإيديولوجيّات الكاريكاتوريّ لحقائق الحياة والتاريخ…

“حقائق الحياة وأوضاعها ليست على لون واحد، أبيض أو أسود، مثلاً، وحسب. ولا يمكنها أن تكون كذلك، لأن مجريات الحياة وحقائقها تكتنفها ظلال وفروق وتناقضات واستثناءات.. الحياة شبكة كثيفة جدًّا من خطوط متعرّجة ومتداخلة تذهب وتعود في كلّ الاتجاهات. دوائرها غير واضحة المعالم دائمًا. وعناصرها متفاعلة في حدّة متفاوتة الزخم. والقواعد في الحياة ليست في الشموليّة والآحاديّة التي يظنّها بعضهم. ولا في القوّة ذاتها. ولا في الوضوح الكلّيّ نفسه. لذا هي حركة مركّبة ومعقّدة ولا تستجيب الانقسام العموديّ الحادّ المطلق المستقيم.”[ii]

فرجل السياسة-“رجل الدولة”-ملزَم بالأخذ بالاعتبار واقع الحياة المعقّد وبالتعرّف إلى متاهاته ليحسن استنباط الحلول المناسبة للمسائل والقضايا المطروحة. وما تاريخ الاجتماع الإنسانيّ إلاّ تاريخ مساعي الاستنباط والابتكار ومحاولات تلمّس الطريق الفضلى.

* * *

لقد عشتُ حتى أعماقي مأساة لبنان. وأعملتُ فيها انتباهي وعقلي. وسعيتُ إلى فهمها على حقيقتها من غير تزويق ولا تحوير وأنا، في الوقت نفسه، “ملتزم” بكلّ ما في هذا المصطلح من معنًى وبُعد.

إنّني على اقتناع بأنّ “التزامي” لا يتعارض ألبتّة و”موضوعيّتي”. فالموضوعيّة هي أن تقرّ بحقيقة ما هو حقيقيّ. ذلك أنّ التناقض بين الالتزام والموضوعيّة ليس بِنيويًّا. فمن يعتنق مبدأً معيّنًا ويتبنّاه ويعمل له ويعبّر عنه صراحة وجهارًا، يمكنه أن يبقى، في الآن نفسه إذا شاء، متحرّرًا من المحاباة والتحيّز المغرض. فـ”الموضوعيّة” ليست، بالتالي، في حاجة إلى “التجرّد” أو “اللاإكتراثيّة” كي تأتي أحكامها صائبة. فالأمر أخلاقيّ بامتياز في المبتدإ والمنتهى.

فإذا قلتُ إن أحداث لبنان كانت في تلك الفترة، موضوعيًّا، ردّات فعل “متناقضة”، فالموضوعيّة إيّاها تؤكّد أن كلاًّ منها، في جوهره، كان تعبيرًا صادقًا عمّا جاش في وجدان ناس “الهُنا” وناس “الهُناك” من الذين لم يكونوا لا عملاء ولا وصوليّين ولا محترفي إجرام. فنقرّ جميعًا بأنّ أولئك كانوا أصحاب “قضيّة”.

فإذا فهمنا “هواجس” أحد الأفرقاء ومعايير تفكيره ومقاييسه، واقتنعنا بأنّه كان صادقًا مع ذاته[iii]، أدركنا دافعه إلى موقفه المعروف فكوّنّا فكرة واضحة عنه فحكمنا له أو عليه.

هذا ما كان قد بدأ بالوصول إليه بشير الجميّل بعد انتخابه إلى سدّة الرئاسة الأولى. وبذلك انفتح باب جديد في حياته وتفكيره وَلَجَ منه إلى رحاب “رجل الدولة المسؤول”.

فمن عرف بشير الجميّل عن قرب-وليس فقط عن طريق ما قاله أو كتبه أو قيل عنه- علِم أنه كان يقارب المسائل بعَيْنَي “الواقعيّة العفويّة”. “لستُ مفكرًا وإنّني أحدّد نفسي بعملي”، قال بشير[iv]. ولكنّ واقعيّته العفويّة أخذت تنتقل تدريجيًّا من العفويّة البحت إلى واقعيّة أكثر صقلاً وفطنةً وتنظيمًا بوتيرة ممارسته المقاومة ميدانيًّا بصدق وأصالة ومسؤوليّة، وإنْ بَرَزَ في الوقت نفسه ذا طموح في نَيْل العُلى لا يُحَدّ.

طبعًا، كنتُ، وكنّا، إلى جانبه نخلص له الرأي والنصيحة، وإنْ لم يعمل بهما دائمًا. فليس، بالتالي، “كلّ” ما جاء به بشير يُعتبر من عندياته على نحوٍ محض. رفقاؤه-وأنا منهم-على اختلاف مسؤوليّاتهم ومستوياتهم وقدراتهم وعطاءاتهم، “ضخّوا” فيه من الآراء والنصح والمعرفة والتنبيه والتحذير والتشجيع والتأييد ما جعله في العام 1982 غير بشير الجميّل الآتي من العام 1975. وفضله الكبير أنّه أحسن الإصغاء إلى ما سمع والتفكير في ما رأى. فما جاء به خلال فترة صعوده ووصوله من أقوال وأعمال وتطلّعات إنّما كان ثمرة هذا التفاعل في داخله بين طاقاته الذاتيّة وشخصيّته الفذّة المميّزة وما اكتسبه طوال الأعوام السبعة، وقد كانت مليئة بما يشبه الأساطير.

شكّل كلّ ذلك، في نهاية الأمر وإجمالاً، ما يمكن تسميته “الخطّ البشيريّ”. وهو الخطّ الذي جَعَلَنا وأبناءَ المجتمع المسيحيّ نتعلّق ببشير الجميّل وبالمقاومة التي قاد.

ومن بين الأمور التي تناولها هذا الخطّ ثلاثةٌ، أطرحها على سبيل المثل، وخصوصًا لأنها تشكّل مسائل-مشاكل قسمت اللبنانيّين ولا تزال. أبحث فيها من خلال اقتناعاتي ورؤاي.

1 – الشعور الانتمائيّ والولاء للبنان

شكّلت قضيّة الشعور الانتمائيّ والولاء للبنان، بهذا المفهوم أو ذاك، عقدة مزمنة بدأت منذ ما قبل الحرب العالميّة الأولى-وربّما قبل ذلك-وحتى اليوم، مرورًا بإنشاء لبنان الكبير (1920)، ومرحلة الانتداب الفرنسيّ (1918-1943)، ومرحلة الاستقلال (1943-1976)، وأحداث 1958، والانفجار الكبير في العام 1975، وميثاق الطائف في العام 1989، والنظرتَين، في الوقت الحاضر، إلى الوجود السوريّ المتعارضتَين تعارضًا تامًّا.

وسبق إن شاعت في فترة طويلة عبارة “لبنانيّ صميم” تمييزًا له عمّن يتطلّع إلى ما وراء الحدود، سواء مِن أجل “وحدة سوريّة” أم “وحدة عربيّة” أم ربط لبنان بمصير القضيّة الفلسطينيّة.

وفي كلّ مرّة كان “اللبنانيّون الصميمون” يستوحون مبادئ “الدولة الحديثة” ومفاهيمها الأوروبيّة في السيادة والاستقلال والقرار الحرّ لينعتوا الآخرين بالتفريط بهذه القيَم خدمة لإيديولوجيّة تناقض نظرتهم إلى لبنان ونظريّتهم فيه. وفي المقابل، قامت وتقوم مواقف تستند إلى “مفاهيم” أخرى ذات تطلّعات مختلفة على نحوٍ تناقضيّ تدفع أصحابها إلى نعت “اللبنانيّ الصميم”-مع لهجة ساخرة-بالانعزاليّ والمتغرِّب وعدوّ العرب والعروبة والإسلام…

وهكذا انقسم اللبنانيّون وينقسمون، على نحوٍ عام، قسمَين ما إن تطرح الأحداثُ عليهم ما يستوجب اتخاذ موقف واضح وصريح منه[v].

إن الحلقة المفرغة هذه لا يبدو أنّها ستتحوّل يومًا حلقة اتصال ووصل ما دمنا أغلقنا نفوسنا فيها.

أمّا الحلّ فيكمن في “قبول” النظرتَين المتناقضتَين معًا-مع بقائهما متناقضتَين-كي نتمكّن من نزع فتيل التفجير منهما. وبذلك نضع موضع التنفيذ مبدأ ارتباط كلّ جماعة، إنسانيًّا وروحيًّا، بأصول اقتناعاتها ومعتقداتها[vi] وبما تشعر بأنّه يؤالفها ويجذبها. فنقرّ عمليًّا بالتمايز الحاصل في ما بين اللبنانيّين ونضع حسيًّا “المتمايزين في مستوًى واحد من الاحترام”[vii] والمساواة. فلا يعود أحد ينظر نظرة ريبة وحذر ،وربّما نظرة تخوين، إلى علائق مسلمي لبنان الشيعة بإيران وبسائر شيعة العالم ومناطقهم، مع ما يترتّب على ذلك من نتائج على غير صعيد وصعيد. وكذلك إلى علائق مسلمي لبنان السّنّة بسوريا والسعوديّة ومصر وسائر السّنّة في العالم ومناطقهم. أو إلى علائق دروز لبنان بدروز سوريا وفلسطين. أو إلى تلاؤم مسيحيّي لبنان-المتجذّرين في مشرقيّتهم أصلاً ودينًا ومذاهب ولغةً-وتآلفِهم والعالمَ الغربيّ، بما فيه شرقيّ أوروبا، وعلائقِهم بحضارته وثقافاته.

لكنّ بشير الجميّل، كسائر “اللبنانيّين الصميمين”، لا يمكنه أن يهضم وجود “لبنانيّ-ليببيّ، و لبنانيّ-عراقيّ، و لبنانيّ-سوريّ، و لبنانيّ-مصريّ، ولبنانيّ لا أعرف ماذا”، على ما قاله[viii]. فهو يرفض “أن يكون لكلّ واحد منّا “مزراب” إلى الخارج، أو تطلّعات إلى ما وراء الحدود، في حين أن الولاء إلى لبنان مشكوك فيه أحيانًا كثيرة”[ix].

التعلّق بلبنان كما شربناه مع حليب أمهاتنا يرفض هذا النوع من الانتماء. ومفهوم الدولة كما تعلّمناه في العلم الدستوريّ الغربيّ ينفر من هذا النوع من الولاء.

غير أن الحقيقة الملموسة لا تأبه لما نفهمه، نحن، عن لبنان والدولة. فـ”اللبنانيّ-اللبنانيّ”، فقط وحسب ولا غير، لا نراه خارج المجتمع المسيحيّ اللبنانيّ. أأعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. فـ”اللبنانيّ” مع صفة أخرى موجود على نحو حسّيّ وفاعل عند الفريق اللبنانيّ الآخر، عمومًا. وجود “الصفة الإضافيّة” هناك له جذوره وخلفيّاته وتبريره. لا يحقّ لنا التنكّر له. علينا القبول به والتآلف معه واعتباره من معطيات الواقع الأساسيّة.

وقد لامس بشير الجميّل حلاًّ من هذا النوع عندما أقرّ واعترف بالشهداء جميعهم الذين “ماتوا من أجل لبنان” وإنْ كان لكلّ منهم “نظرة معيّنة إلى لبنان”. قال في كلمة له في المعهد اللبنانيّ للمعاقين في بيت شباب بتاريخ 29 آب 1982: “وكرئيس جمهوريّة لبنان أودّ ان تكون هذه الكلمة موجهة الى كل لبناني مصاب في الحرب، والى جميع الشهداء اللبنانيّين الذين ممكن ان يكونوا قد اختلفوا بعضهم مع بعض في وقت من الاوقات، فمات كل منهم في سبيل نظرة معينة الى لبنان، إلاّ انهم جميعًا ماتوا من أجل لبنان.”[x]

2 – السلطة والحكم

في الفترة القصيرة التي تلت ترشيح بشير الجميّل للرئاسة الأولى في 24 تمّوز 1982 فانتخابه في 23 آب 1982 وحتى اغتياله في 14 أيلول 1982، ركّز “المرشّح والرئيس” كثيرًا على فكرة “لبنان القويّ” و”الحكم القويّ”.

عرّف بشير الجميّل “لبنان القويّ” فقال: “لبنان القويّ بديموقراطيّته هو لبنان القويّ بحرّيّته وبكلّ مؤسّساته… لبنان القويّ بديموقراطيّته هو لبنان الذي يتمتّع بمجلس نيابي قويّ، وبصحافة قويّة ونظيفة، وبوازرة تربية وبرامج تربويّة قويّة، وبقضاء قويّ، وبجيش قويّ قادر ومؤمن بالقضيّة التي يضحّي من أجلها. لبنان القويّ هو القويّ بكلّ هذه المؤسّسات، وغير مهدّد ومعرَّض للأخطار، ومن دون أن يكون لكلّ واحد منّا “مزراب” إلى الخارج، أو تطلّعات إلى ما وراء الحدود، في حين أن الولاء إلى لبنان مشكوك فيه أحيانًا كثيرة”[xi].

و”لبنان القويّ” يديره “حكم قويّ…” “سيكون الحكم قويًّا، وسيرتكز على قواعد دستوريّة وبرلمانيّة. سيكون هناك حكم برأس واحد لا برأسَين…”[xii]

“والجيش اللبنانيّ بإمرة رئيس الجمهوريّة، لا بإمرة وزير الداخليّة. الجيش اللبنانيّ بإمرة رئيس. وأنا هو الرئيس. وهو بإمرة قائد الجيش، وقائد الجيش بإمرتي. وهو بإمرة كلّ وزارة الدفاع التي أنا مسؤول عنها.”[xiii]

والتعريف الأقوى والأوضح للحكم القويّ الذي عناه الرئيس بشير الجميّل يكمن في القول الآتي: “هناك دستور لبنانيّ. وسأطبّقه نصًّا وروحًا. وجميع العادات البشعة[xiv] التي اعتمدت منذ العام 1943 حتى اليوم لتمييع الدستور، أو لمغالطة نصوصه، أو للتلاعب بها، أو لتفريغ بعض موادّه من أهمّيتها ومدلولها وعمقها وأبعادها، سأضع حدًّا لها. سوف أرجع إلى الدستور لأطبّقه كما وضعه ميشال شيحا.”[xv]

وهكذا يرى بشير الجميّل، رئيسُ الجمهوريّة، أن يكون هو المسؤول الأوّل والأساسيّ في حكم الدولة. علمًا بأنّه مقتنع في عمق وجدانه بحقيقة التعدّديّة في المجتمع اللبنانيّ.[xvi] وقد أعلن ذلك صراحة وعلى نحو مستمرّ. وسبق أن دافع عن تجسيد هذه التعدّديّة في نظام فدراليّ[xvii].

كلام بشير الجميّل يعني أن لا تعارضَ بِنيويًّا بين التعدّديّة المجتمعيّة والنظام المركزيّ الصارم. وهو، من جهة أخرى، مقتنع بأنّه قادر على إقامة “الحكم القويّ” معتمدًا على إخلاصه وصدقه في توطيد الاستقرار والإلفة بين اللبنانيّين وقدرته على النجاح في مهمّته. ألم يردّد غير مرّة “أنا معتاد على تحقيق كلّ أحلامي”؟

أجزمُ أن بشير الجميّل، هنا، كان على خطإ. ولطالما ناقشتُه في هذه القضيّة وبحثتُ معه في أمرها من وجوهه المختلفة.

فمن جهة، إنّ بشير الجميّل، ذا الطموح اللامحدود، مِثْله مِثل القادة التاريخيّين الذين يقودهم طبْعُهم إلى تولّي السلطة مباشرة بأنفسهم بأكبر مقدار ممكن من الصلاحيات وأقلّ مقدار ممكن من حصر السلطة.

ومن جهة أخرى، إنّ التركيبة المجتمعيّة في لبنان وفي سائر البلاد حيث عدد المسلمين فيها أكثريّ أو مساوٍ للآخرين وفاعل في الواقع المحسوس، لا تتحمّل على الإطلاق نظامًا مركزيًّا متشدّدًا يكون على رأسه شخص غير مسلم. ونزع الصلاحيات “غير الفاعلة” التي كانت لرئيس الجمهوريّة في لبنان في الدستور قبل تعديلات الطائف كان تطبيقًا لهذه الحقيقة.

إنّه أمر مبتوت فيه. وعلينا قبوله واعتباره معطًى أساسيًّا من معطيات النظام السياسيّ اللبنانيّ المستقبليّ. وأعتبرُ أن إصرار بشير الجميّل على “الحكم القويّ” بالمقوّمات التي أعلنها وقتذاك هو “حلّ تفجيريّ” عاجلاً أم آجلاً.

على كلٍّ، يُستشفّ من موقفَيْن للرئيس بشير الجميّل أنّه، في أعماقه، لم يكن واثقًا كلّ الثقة من نجاحه في تحقيق “الحكم القويّ” الذي رمى إليه في كلّ الأراضي اللبنانيّة. لنسمعه يقول: “…أصبح عندنا اليوم لبنان واحد. ولبنان واحد لا يعني “لبنان واحد لا لبنانان” مع المحافظة على سيّارتَيْ كاديلاك، لا على سيّارة واحدة، ولا يعني المحافظة على قصرَيْن، لا على قصر واحد، وموكبَيْن، لا موكب واحد، وكرسيَيْن أحدهما قرب الآخر. لا، ليس هذا ما نريد. “لبنان واحد لا لبنانان” يعني “لبنان واحد لا لبنانان” على طول الخطّ. وإذا كان هناك موكبان لا موكب واحد، فلْيكن كلّ شيء اثنين وليس واحدًا، مع كلّ ما يترتّب على ذلك.”[xviii]

وكان موقفه صريحًا أيضًا في اجتماعه العام الأخير بقياداته في بكفيا بعد نجاحه في انتخابات الرئاسة-وكنتُ مشاركًا في الاجتماع-عندما قال ما معناه: إنْ نجحتُ في تحقيق الدولة القويّة بحكم قويّ على كامل الأرض اللبنانيّة أكون قد نجحت. وإلاّ فأنا رئيس جمهوريّة شرعيّ على ما يبقى من لبنان.

إذًا، الحلّ الأفضل للحكم في لبنان يكمن في مشاركةٍ متساويةٍ تمامًا في أعلى قمّة السلطة بين المجموعتَين اللبنانيّتَين، لا في أن يتولاّه شخص واحد بمثل الصلاحيّات التي يريدها بشير الجميّل.

3 – التعليم والثقافة

يقدّم المسار التربويّ في لبنان، منذ إنشاء الكيان اللبنانيّ في العام 1920 وحتى اليوم، برهانًا تلو برهان، وفي غير انقطاع، على انقسام عموديّ في ما بين اللبنانيّين في الشأن التعليميّ-الثقافيّ. وقد أقرّ رسميًّا بذلك وزير تربية سابق، الأستاذ عاصم خوري، في محاضرة له بتاريخ 18/2/1983 خلال تولّيه مسؤولياته الوزاريّة، في كلامه “على عدم وجود وفاق تربويّ بين عناصر الأسرة التربويّة… والمؤسّسات في اتفاق أحيانًا على تأمين بعض المصالح، ولكنّها في خلاف أكثر الأحيان على مضمون التربية الوطنيّ والثقافيّ.”[xix]

وكان بيان ختاميّ صادر عن “مؤتمر التربية الإسلاميّة” الذي انعقد في قاعة قصر الأونسكو في بيروت في العام 1981، قد رسم معالِمَ التربية الإسلاميّة المنشودة.

من هذه المعالم: “إن هذا التغريب الثقافيّ لا يزال يحول بيننا وبين أن نختار طريقنا الثقافيّ الإسلاميّ المتميّز اختيارًا واعيًا…” ومنها “ضرورة العمل لتوليد نظام تربويّ ذاتيّ أصيل، يستمدّ أصوله من الثقافة الإسلاميّة، ويتغذّى بما تدعو إليه أحدث الاتجاهات التربويّة في العالم…” [xx]

وأذكر، في جملة ما أذكر، الخلاف القويّ حول لغة تدريس العلوم والرياضيّات ومادة الحقوق اللبنانيّة، ومسألة التعطيل الأسبوعيّ وأياّم الأعياد الدينيّة في المدارس، وكتابَيْ “التربية” و”التاريخ” الموحّدَيْن ألخ… هذه الأمور التي لم تلقَ بعدُ حلّها العملانيّ.

وفي نهاية العام 2003 ومطلع العام 2004، أُثير موضوع انضمام لبنان إلى “المنظّمة الإسلاميّة للتربية والعلوم والثقافة” (إيسيسكو) بعدما كان قد “تسلّل” تحت جنح الصمت انضمام لبنان إلى “ميثاق الوحدة الثقافيّة العربيّة” و”دستور المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم” (أليكسو) بالقانون رقم 29 تاريخ 14/11/1990. فسحبت الحكومة مشروع “إيسيسكو” من مجلس النواب بعدما كانت قد أحالته إليه بـ”الاجماع”. وأغلق الموضوع “حرصًا” على الوحدة الوطنيّة والعيش المشترك.

فكتبتُ وقتئذٍ أن إيسيسكو “حقّ للمسلمين لا جدل فيه، ولا ينبغي لأحد أن يقف في وجه حصولهم عليه وتحقيقهم إيّاه تحت طائلة طعن الحرّيّة واضطهاد معتقد الناس.”[xxi] فلماذا لا يحصلون عليه؟ ولماذا يربطون به قبول المسيحيّين له؟ إن للمسيحيّين توجّهًا آخر. وهذا، أيضًا، حقّ لهم لا جدل فيه، ولا ينبغي لأحد أن يقف في وجه حصولهم عليه وتحقيقهم إيّاه تحت طائلة طعن الحرّيّة واضطهاد معتقد الناس.

كيف؟

“نجلس معًا. نعم، معًا. وحدنا. من دون وصيّ ولا وسيط. ولا موحٍ ولا رقيب إلاّ ضميرنا. نعرض في ما بيننا قلقنا وهواجسنا، آمالنا وأمانينا. لا بنيّة هيمنة أحد على أحد-لا مباشرة ولا مداورة-، ولا بسعيٍ إلى تذويب أحد بأحد-لا مباشرة ولا مداورة-، بل بنيّة الحوار والتشاور والتفاوض “بالتي هي أحسن” و”بكلمة سواء”، انطلاقًا من مبدإ المقاربة الواقعيّة لأمورنا ولحقيقتنا الحقيقيّة وانتهاءً بقبولنا حقّ كلّ منّا في أن يحيا مقتضيات ضميره على الأصعدة كلّها وبملء مستلزماتها.”[xxii]

وها هو بشير الجميّل، ومنذ العام 1977، ينادي بحلّ معضلة التربية على النحو الذي ادعو إليه. قال: “نريد ان تكون لكل مجموعة حضارتها وثقافتها في اطار بلد واحد وكيان واحد. لا نريد ان نفرض حضارتنا على احد، كما لا نرضى بأن يفرض احد حضارته علينا. فليتعلموا تاريخهم وحضارتهم، ولنتعلم تاريخنا وحضارتنا، وكلّ ذلك في اطار بلد واحد. فنحن نرفض مبدأ التقسيم… بكل اختصار: نريد حضارة تتجاوب تماما مع معتقداتنا وثقافتنا، فنتمكّن من دراسة الفيزياء والكيمياء باللغة الفرنسية او الانجليزية او الألمانية وسواها من اللغات، كما يتمكّن سوانا من تعلّم هذه المواد باللغة الباكستانية او الهندية او سواهما.”[xxiii]

* * *

محصِّلة ما تقدّم أنّ لثوابت حقائق الحياة تأثيرًا أوّليًّا في رسم مخطّطات المستقبل. وهي من القوّة والفعل ما يجعلنا نعي غباء الركض وراء الأوهام.

فما دام قرار المواطنين المسيحيّين والمسلمين القاطعُ بشأن وحدة الدولة اللبنانيّة في حدودها المعترف بها دوليًّا وارتباطِها البدَهيّ بمحيطها، قرارًا غير قابل لأي مفاوضة أو مساومة، فإنّ على كلّ فريق منهم أن يتخلّى عن فرض اقتناعاته على تنظيم الدولة وانتظام مؤسّساتها وتعيين سياساتها. وأن يتخلّى عن محاولة التسلّط على الآخرين، أو شلّ قدرتهم على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، أو إلغاء تأثيرهم في الميزان الداخليّ.

إذ ذاك، نجلس معًا ونتباحث في اقتحام الصعوبات للتّغلّب عليها، وهدفُنا-جميعًا-أن نصل إلى ما يريح اللبنانيّين ويرضي ضمير كلٍّ من المجموعتَين اللبنانيّتَين.

ولا أرى، حتى الآن، أيّ قاعدة فكريّة تصلح لأن تكون فكرة محرِّكة بغية تحقيق الهدف المنوّه به إلاّ مبدأ “الحلول المتناقضة”.

فالقبول، مثلاً، بحقّ كلّ جماعة في أن ترتبط، إنسانيًّا وروحيًّا، بأصول اقتناعاتها ومعتقداتها وبما تشعر أنّه يؤالفها ويجذبها،

والقبول بتعدّديّة الشعور الانتمائيّ والولاء،[xxiv]

والقبول بمشاركة متساوية تمامًا في أعلى قمة السلطة بين المجموعتَين اللبنانيّتَين،

والقبول بأن يقوم على أرض لبنانيّة واحدة توجّهان تربويان مختلفان،

والقبول بأن تعطّل المدارس الرسميّة في الأيّام والمناسبات التي تتآلف واقتناعات أبناء بيئاتها،

كلّ ذلك، وسواه من نوعه، يشكّل حلولاً لأوضاع وتوجّهات “متناقضة”، ممّا يجعلها بدورها”حلولاً متناقضة”.

فـ”الحلول المتناقضة” تعني، إذًا، حلولاً متعارضةً في ما بينها تعارضَ اقتناعات وتصوّرات الذين تتوجّه إليهم وتقصدهم. ولكنّها تلبّي احتياجات كلٍّ منهم بطريقة خاصّة مناسبة.

“الحلول المتناقضة” تعني تغليب الواقعيّة العقلانيّة على توتاليتاريّة الإيديولوجيّات، وانتصارًا على استبداديّة الواحديّة القائمة على تماثليّة وهميّة وقسريّة.

“الحلول المتناقضة” حلول واقعيّة لحقائق واقعيّة تفقر العين.

ولا يزيل “تفجّر” التناقضات إلاّ القبول بها وتعيين ما تستسيغه هي من علاج، لا ما يتخيّله لها الوهم والمحاكاة.

واعتماد مبدإ “الحلول المتناقضة” يقتضي قبل كلّ شيء اقتناعًا إجماعيًّا به، فإرادةً في تحقيقه، فتوافقًا على مقوّماته وعلى الحدّ من سلبيّاته وأخطار إساءة استعماله وتجاوز حدّ المشروع منه، فوضعَه موضع التنفيذ، فالإخلاصَ له، فصيانتَه وحمايتَه وتطويرَه عند الاقتضاء. ذلك أنّه “لا يوجد حلٌّ نهائيّ، دائم، ثابت، جامد. الحياة، في سيرها، في تطوّر وتغيّر مستمرَّين. الحياة تقدّم كلّ يوم معطيات جديدة وقدرات جديدة، ممّا يفترض تصوّرات جديدة. إنّ ما يصلح اليوم قد لا يصلح غدًا. وما يصلح غدًا قد لا يصلح بعد غد… خير الناس، خير كلّ إنسان من هؤلاء الناس، حرّيّتهم وحرّيّاتهم، تفتّح شخصيّة كلٍّ منهم، تعميق القيَم فيهم، تأكيد هويّتهم، ألخ.. هي الغاية المرتجاة. فما سار في خطّ هذه الغاية وجب أن نعمل له. وما خالفه وجب أن نعارضه.”[xxv]

أمّا في حال استحالة التوافق الإجماعيّ، أو شبه الإجماعيّ على الأقلّ، على اعتماد هذا المبدإ، فإنّه لا يتحقّق.

على كلٍّ، أيّ حلّ، من أي نوع كان، لا يجوز أن يطبَّق إلاّ إذا قبله المعنيّون به قبولاً حرًّا. أمّا إذا فُرض عليهم فرضًا، أو تمترس كلّ فريق وراء حاجز اقتناعاته لفرضها على الآخرين، عند ذاك نقول لا حول ولا قوّة…

[i] – انطوان نجم، رسالة إلى المسيحيّين، آفاق مشرقيّة (5)، الطبعة الأولى 1992، ص59.

[ii] – انطوان نجم، الهويّة المجتمعيّة وهويّة الشعب وهويّة الدولة وتطبيقها في لبنان، آفاق مشرقيّة (3)، طبعة رابعة معدّلة وموسّعة، تموز 1999، ص24.

[iii] – ينبغي التفريق، أيضًا، بوضوح وصراحة بين “الموقف المبدئيّ” و”السلوك العملانيّ” المتعارض والقيَم والأخلاق والمبادئ العامة المعترف بها عمومًا.

[iv] – بشير الجميّل ضمير وتاريخ، الملحق السنوي الثالث، 14 أيلول 1984، الكتائب اللبنانيّة، مصلحة بيروت، منطقة الأشرفيّة الكتائبيّة (مكتب الإعلام)، ص179.

[v] – انطوان نجم، الهويّة المجتمعيّة وهويّة الشعب وهويّة الدولة وتطبيقها في لبنان، ص32-42.

[vi] – امين ناجي (انطوان نجم)، شرعة من أجل ميثاق وطنيّ جديد، آفاق مشرقيّة (2)، بيروت 1979، ص27.

[vii] – المصدر نفسه، ص28.

[viii] – من كلمة للرئيس بشير الجميّل في بكفيا، لدى استقباله وفودًا شعبيّة من منطقتي البسطة وعائشة بكّار في بيروت بتاريخ 12/9/1982. راجع بشير الجميّل: الرئاسيّات مؤسّسة بشير الجميّل، بيروت 1985 ص181

[ix] – من كلمة للرئيس بشير الجميّل في بيت الكتائب في منطقة الأشرفية بتاريخ 7/9/1982. راجع: الرئاسيّات ص165.

[x] – بشير الجميّل، الرئاسيّات، ص119.

[xi] – من حديث لبشير الجميّل في “برلمان الشعب” وقد أدلى به في “بيت المستقبل” بتاريخ 24 تمّوز 1982 يوم أعلن ترشيحه لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة. راجع: الرئاسيّات ص33.

[xii] – من كلمة له في بيت الكتائب في منطقة الأشرفيّة بتاريخ 7/9/1982. راجع: الرئاسيّات ص163-165.

[xiii] – من خطاب للرئيس بشير في مقرّ قيادة القوات اللبنانيّة بتاريخ 3/9/1982. راجع: الرئاسيّات ص150.

[xiv] – أي الأعراف الدستوريّة. والأعراف الدستوريّة هي القواعد والمبادئ والممارسات التي تسري في نظام الدولة إلى جانب القوانين الأساسيّة المدرجة في صلب الدستور. وربّما ناقضت الأعرافُ الدستورَ عن طريق السوابق والتفسيرات والاجتهادات التي استقرّ عليها الرأي واكتسبت قوّة الإلزام.

[xv] – المرجع رقم 13 ص151. ميشال شيحا (1891-1954) من رجالات السياسة والصحافة والأدب والاقتصاد اللبنانيّين ومن أبرز المؤمنين بالكيان اللبنانيّ. أشوريّ الأصل ينتمي إلى الطائفة اللاتينيّة. اختير نائبًا عن بيروت في المجلس النيابيّ من 14 تمّوز حتى 23 أيّار 1926، ومن 18 تشرين الثاني 1927 حتى 13 أيّار 1929. كان على رأس اللجنة التحضيريّة التي وضعت الدستور اللبنانيّ في العام 1926.

[xvi] – قال بشير الجميّل: “نريد أن تكون لكل مجموعة حضارتها وثقافتها في إطار بلد واحد وكيان واحد. لا نريد أن نفرض حضارتنا على أحد، كما لا نرضى بأن يفرض أحد حضارته علينا. فليتعلموا تاريخهم وحضارتهم، ولنتعلّم تاريخنا وحضارتنا، وكل ذلك في إطار بلد واحد.” (من كلمة له في دير مار الياس انطلياس بتاريخ 2/3/1977. راجع: بشير الجميّل: لبنان الحرية والانسان، مؤسّسة بشير الجميّل، ص47)

وقال أيضًا: “إنّ الواقع المجتمعيّ اللبنانيّ واقع جماعات وطوائف، إذ ثبت للمؤرّخ وللباحث الاجتماعيّ على نحو قاطع أن كلّ جماعة وطائفة متمسّكة بخصوصيّتها. وليس في ذلك أي عيب، ولا يتناقض من حيث المبدأ مع إرادة العيش المشترك. إنّ التعددية في لبنان هي حقيقة أكّدت ذاتها في كل المناسبات، وما علينا سوى تنظيم هذه التعددية على نحو تآلفي بدلاً من أن تكون على شكل تصادمي.” (من مقابلة أجرتها معه جريدة القبس الصادرة بتاريخ 13/12/1980. راجع: بشير الجميّل الوعد، القرار والوفاء، مؤسّسة بشير الجميّل، بيروت، ص269)

[xvii] – حديث بشير الجميّل إلى مجلّة “الكفاح العربيّ” الصادرة بتاريخ 15-21/1/1980. راجع: بشير الجميّل: الوعد، القرار والوفاء، ص30.

[xviii] – من كلمة للرئيس بشير الجميّل في العامريّة بتاريخ 9/9/1982، ، الرئاسيّات، ص176.

[xix] – لبنان والتربية، منشورات الكسليك، لبنان، 1984، ص9.

– [xx] جريدة “النهار” البيروتيّة، من 16 إلى 22/3/1981.

[xxi] – انطوان نجم، من يغيّر وجه لبنان؟ إيسيسكو حقّ للمسلمين. مرفوض فرضه على غيرهم. مجلّة “المسيرة” تاريخ 23/2/2004، العدد 956، ص4.

[xxii] – المصدر نفسه، ص4.

[xxiii] – من كلمة لبشير الجميّل في دير مار الياس-انطلياس بتاريخ 2/3/1977. راجع: بشير الجميّل: لبنان الحرّيّة والإنسان، ص47″.

[xxiv] – تعدّديّة الشعور الانتمائيّ تحصيل حاصل لأن “الشعور” نابع من عمق الإنسان ولا يمكن أيّ قانون أن يضبطه أو يتحكّم به أو يسائله أو يصادره…

أمّا تعدّديّة الولاء لدولتَين معًا في الوقت نفسه-وهي من القضايا الخطيرة، وإنْ صارت واقعًا شائعًا ينتشر أكثر فأكثر بحكم الهجرات وجواز الاحتفاظ بجنسيَّتَين معًا (وربّما أكثر)-فخاضعة للبحث والمناقشة في ما بين المعنيّين وقابلة للضوابط والحدود.

[xxv] – انطوان نجم، رسالة إلى المسيحيّين، ص60-61.